محمد بن المنور الميهني
73
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
وبعد أن فرغ الشيخ من هذه الرياضات تم له الكشف الكامل . وكان تلاميذه يقولون إنه لم يترك أي سنة ولا أدب من آداب المصطفى صلوات اللّه وسلامه عليه دون أن يؤديها سواء في السفر أو الإقامة . واشتغل بالعبادة تماما بحيث كان إذا نام انبعث من حلقه صوت يردد « اللّه ، اللّه ، اللّه » . ولم يكن أحد يعلم بما يقوم به الشيخ قدس اللّه روحه العزيز من الرياضة والمجاهدة ، وكان يخفى هذا الأمر عن الناس ولا يتحدث به ، ويجتهد في إخفائه إلا ما كان يستشهد به أثناء وعظه ، ويقوله من أجل هداية المريدين وترغيبهم . قال الشيخ يوما في مجلس من المجالس : كل ما يجب قوله قد فعلته . وكان جميع الأولياء قدس اللّه أرواحهم هكذا يخفون حالاتهم وكراماتهم عن الناس إلا ما ظهر منها دون تعمد . ( ص 62 ) وقد حدث أن واحدا منهم ظهر شئ من كراماته دون قصد فدعا اللّه سبحانه وتعالى قائلا : يا إلهي . . . لقد اطلع الناس على ما بيني وبينك ، فانزع اللهم روحي فليس لي قدرة على تحمل الناس ؛ لأنهم سوف يشغلوننى عنك . ومات في الحال . ومثل هذه الطائفة لا تصلح أن تكون قدوة للناس ؛ إذ أن من يصلح للقدوة لا يهتم بإظهار الكرامات . غير أنها إذا ظهرت منهم دون تعمد فإن هذا لا يؤثر فيهم ، وربما يظهرون كراماتهم في وقت من الأوقات بقصد المصلحة دون أن تكون مشقة الناس حجابا لهم . فهم مأمورون بوعظ الناس وهداية المريدين وإرشادهم وتهذبب أخلاقهم . وهذه الطائفة أكثر نضجا . ولهذه الطريق مقامات كثيرة . وقد بين شيوخ الصوفية ألفا وواحدا من هذه المقامات التي يطول شرحها . وهدفنا هو القول بأن المشايخ لا يجتهدون في إظهار الكرامات بل أنهم يسعون لإخفائها . وهناك فرق بين الولي والنبي ، وهو أن الأنبياء أمروا بإظهار المعجزات ،